في خطوة عدها مهتمون تعبيرا جليا عن حالة التيه السياسي، ومحاولة لتجاوز حالة انسداد الأفق التي يعاني منها المشروع الانفصالي في الصحراء، أصدرت ما تسمى “حكومة البوليساريو” بيانا بمناسبة صدور الرأي الاستشاري الأخير لمحكمة العدل الدولية بشأن الوضع في فلسطين، الذي أقر بعدم قانونية الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية؛ اعتبرت من خلاله أن رأي هذه الهيئة الدولية “ينطبق على الوضع في الصحراء”، بتعبيرها.
وعلى ضوء ذلك اعتبرت الجبهة الانفصالية أن “جميع الدول مُلزمة بموجب القانون الدولي بعدم الاعتراف بالضم المغربي للصحراء”، على حد قولها، مطالبة في الوقت ذاته المنتظم الدولي بـ”الاحترام الكامل للوضع الدولي للصحراء، والامتناع عن أي أعمال قد تقوض السلامة الإقليمية للإقليم أو تعيق ممارسة حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير والاستقلال والسيادة الدائمة على موارده الطبيعية”، وفق صياغة البيان دائما.
في قراءته لهذا الموضوع قال هشام معتضد، باحث في الشؤون الإستراتيجية، إن “بيان جبهة البوليساريو الذي يحاول ربط استنتاجات محكمة العدل الدولية بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة مع الوضع في الصحراء المغربية يتضمن عدداً من النقاط الضعيفة، والمغالطات التي تجعل المقارنة غير سليمة وغير دقيقة بتاتا، نظرا للسياق التاريخي والجغرافي والسياسي المختلف بين الوضع في فلسطين وملف الصحراء”.
وأشار معتضد، في حديث لـ هسبريس، إلى أن “الأراضي الفلسطينية معترف بها دولياً كأراضٍ محتلة بعد نزاع مسلح وقرارات عديدة من الأمم المتحدة تؤكد على هذا الوضع، بما في ذلك قرارات محكمة العدل الدولية”، وزاد: “أما بخصوص ملف الصحراء فالوضع مختلف تماماً، ذلك أن الصحراء المغربية كانت تحت الاستعمار الإسباني، فتم طرد إسبانيا وتسليم هذا الجزء الترابي”.
وسجل الباحث ذاته أن “محكمة العدل الدولية لم تصدر أبداً قرارات تعترف بالمغرب كقوة احتلال بالصورة التي تصفها جبهة البوليساريو؛ بل إن الرأي الاستشاري للمحكمة لعام 1975 أكد وجود روابط سياسية وإستراتيجية وتاريخية بين المغرب والمجال الترابي للصحراء”، مشيرا إلى أن “هناك دعما دوليا واسعا لحق الفلسطينيين في تقرير المصير وإنهاء الاحتلال، مدعوماً بقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة؛ أما في ما يتعلق بملف الأقاليم الجنوبية للمغرب فالوضع مرتبط بمسار سياسي واضح وتوجه منتظم دولي مضبوط يدعم المقترح المغربي بخصوص إنهاء هذا النزاع الإقليمي المفتعل”.
وتابع المتحدث نفسه بأن “القرارات الدولية والمفاوضات المرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بتدبير ملف الصحراء تتناول حلاً سياسياً، وتشجع على ضرورة تسريع مسلسل تسويته السياسي، لكنها لا تتضمن أبدًا إجماعاً دولياً على وصف الوضع كاحتلال مماثل للوضع في فلسطين”، مبينا أن “المقارنة التي تحاول البوليساريو رسمها بين قرار محكمة العدل الدولية حول فلسطين والوضع في الأقاليم الجنوبية للمغرب غير سليمة من الناحية القانونية والتاريخية والسياسية، فلكل حالة سياقها الخاص وتفاصيلها المعقدة والمركبة التي لا تسمح بإجراء مقارنة مباشرة بينهما”.
من جهته أورد جواد القسمي، الباحث في العلاقات الدولية والقانون الدولي، أن “الجبهة الانفصالية تحاول يائسة من خلال هذا البيان الاستفادة من الزخم الكبير الذي تعرفه القضية الفلسطينية في الشهور الماضية، والتفاعل الدولي الكبير مع معاناة الشعب الفلسطيني، لعلها تبث نفسا جديدا في مشروعها الانفصالي الذي لفظه الواقع الدولي، وأقبرته المبادرات المغربية التي لقيت إشادات وترحيبا على المستويين الإقليمي والدولي”.
وسجل المصرح لـ هسبريس أن “هذه المحاولات تجد لها تفسيرا في ما تعيشه الجبهة من أوضاع مزرية على كل المستويات، وركود في الترويج لقضيتها وانفلات عقد الدول الإفريقية التي كانت داعمة لها بالأمس القريب، واتجاهها إلى قضايا تهم التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وبناء علاقات شراكة وتعاون في إطار رابح-رابح مع المملكة المغربية”، مشيرا إلى أن “البوليساريو أمام هذا الوضع أصبحت لا تفوت أي فرصة لإقحام القضية الصحراوية لعلها تجد من يدعمها، حتى لو كان بالتشبيه بما لا يمكن التشبيه به؛ تشبيه يرفضه الفلسطينيون جملة وتفصيلا وقد عبروا عن ذلك في كثير من المناسبات”.
وخلص المتحدث إلى أنه “ليست هذه المرة الأولى التي تحاول جبهة البوليساريو الانفصالية تشبيه قضيتها بالقضية الفلسطينية التي تحظى بتأييد دولي كبير، عكس التآكل الكبير في من كان يؤيد الجبهة، ناهيك عن الضربات المتتالية التي تتلقاها وصنيعتها من كل جانب، آخرها مشروع قرار للاتحاد الإفريقي حصر المشاركة في المحافل الدولية الكبرى، التي تشكل أهمية كبرى للقارة اقتصاديا وسياسيا، في الدول الأعضاء في الأمم المتحدة”.