“الجامعات المغربية إلى أين؟”، سؤال جعله حسن بلحياح، أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط، عنوانًا لمقال استهله بالإشارة إلى أن “تصنيف شنغهاي الأخير لأفضل 1000 جامعة في العالم تضمن جامعة مغربية وحيدة هي جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، التي احتلت المرتبة ما بين 801 و1000 عالميًا”.
وأوضح بلحياح أن “تصنيف شنغهاي يعتمد على معايير دقيقة وموضوعية”، مضيفا أن “تصنيف شنغهاي يولي أهمية قصوى لجودة الأبحاث وعددها، خاصة تلك المنشورة في مجلات دولية مرموقة، وفي المغرب يتم تحرير ونشر معظم الأبحاث باللغتين العربية والفرنسية، مما يقلل فرص الاستشهاد بها في المجلات العلمية المصنفة دوليا”.
وأجرى الأستاذ الجامعي مقارنة بين المغرب والسعودية من حيث “نسبة الإنفاق على البحث والتطوير”، مذكرا في الوقت ذاته بعدد من الجامعات الدولية التي تقدّم حوافز مالية للباحثين، وتوفر مكافآت عن كل مقال منشور في مجلتي” نيتشر” و”ساينس”، وأشار إلى أن “هذه الحوافز المالية ليست متاحة في الجامعات المغربية في الوقت الراهن، مما يشكل تحديًا أمام الباحثين للمنافسة في الساحة الدولية”.
: نص المقال
تضمن تصنيف شنغهاي الأخير لأفضل 1000 جامعة في العالم جامعة مغربية وحيدة هي جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، التي احتلت المرتبة ما بين 801 و1000 عالميًا. على الرغم من قيمة هذا الإنجاز بالنسبة للتعليم العالي في المغرب، فإنه يثير تساؤلات جوهرية حول الأسباب التي تحول دون تبوؤ المزيد من الجامعات المغربية مراكز متقدمة في التصنيفات العالمية، خاصة أن دولا عديدة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا كمصر والسعودية والإمارات وتركيا حصلت على نتائج مشرفة تجعلنا نشعر بنوع من الغبن والاحباط. لوضع أصبعنا على مكامن الخلل علينا التمعن في العوامل التي تؤثر على التصنيفات وكذا المعايير المستخدمة لتصنيف كل جامعة على حدة.
بداية، يعتمد تصنيف شنغهاي على معايير دقيقة وموضوعية، فهي تركز بشكل أساسي على جودة البحث العلمي، وعدد الأبحاث المنشورة في المجلات العلمية المصنفة في قاعدات بيانات دولية مثل “سكوبس” و”ويب أوف ساينس”، ثم عدد الاستشهادات التي تحصل عليها الأبحاث، والتعاون الدولي، بالإضافة إلى وجود حاصلين على جوائز نوبل وميداليات فيلدز ضمن طاقم العمل، وكذا جودة الموارد الأكاديمية والبنية التحتية المتاحة. تمثل العديد من هذه المعايير تحديات أمام الجامعات المغربية، مما يفسر جزئيًا سبب تواجد جامعة مغربية واحدة فقط ضمن هذا التصنيف.
يولي تصنيف شنغهاي أهمية قصوى لجودة الأبحاث وعددها، خاصة تلك المنشورة في مجلات دولية مرموقة مثل مجلتي “نيتشر” و”ساينس”. في المغرب يتم تحرير ونشر معظم الأبحاث باللغتين العربية والفرنسية، مما يقلل فرص الاستشهاد بها في المجلات العلمية المصنفة دوليا، والتي تعتمد بشكل شبه كلي على اللغة الإنجليزية. على سبيل المثال، حسب بيانات “سكوبس” لسنة 2020، بلغ عدد الأبحاث المنشورة من طرف الباحثين بالجامعات المغربية 9663 بحثا، مقارنةً بأكثر من 30000 بحث في مصر. لذلك ولتحسين تصنيف الجامعات المغربية من الضروري تعزيز النشر باللغة الإنجليزية في المجلات العلمية المرموقة. تُركز الجامعات في المملكة العربية السعودية، مثل جامعة الملك سعود، بشكل كبير على النشر باللغة الإنجليزية، وهو ما مكنها من الحصول على عدد كبير من الاستشهادات على المستوى الدولي، وبالتالي تم تصنيفها في المركز 90 عالميا، متفوقة على عدد من الجامعات في أوروبا وآسيا وأمريكا.
يشكل وجود أعضاء هيئة تدريس حائزين على جوائز دولية مرموقة مثل نوبل وميداليات فيلدز جزءًا كبيرًا من معايير التصنيف. في الجامعات المغربية قد يكون من الصعب استقطاب مثل هؤلاء العلماء نظرًا لنقص التمويل والموارد. على النقيض من ذلك، نجحت الجامعات السعودية والإماراتية في استقطاب علماء وخبراء دوليين من خلال توفير موارد هائلة وبيئة بحثية متقدمة، وهو ما يعزز تصنيفها من سنة إلى أخرى. كما أن استقطاب طلاب وأعضاء هيئة تدريس من الخارج يُعتبر من العوامل المهمة في تصنيفات الجامعات. في هذا الشأن تُولي جامعات مثل جامعة الملك فهد للبترول والمعادن وجامعة خليفة أهمية كبيرة لجذب الكفاءات الدولية وتقديم برامج تُدرس باللغة الإنجليزية، مما يعزز قدرتهما على المنافسة عالميًا. في المغرب لا تزال الجامعات والبرامج التي تُدرس باللغة الإنجليزية محدودة، مما يؤثر على قدرتها في جذب الطلاب الدوليين.
ومما لا شك فيه أن إحدى نقاط القوة التي تميز الجامعات المتقدمة في التصنيف تتمثل في البنية التحتية المتطورة والتمويل الضخم للبحث العلمي. في عام 2020 بلغت نسبة الإنفاق على البحث والتطوير في المغرب حوالي 0.8 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو رقم منخفض مقارنة بدول مثل السعودية التي تنفق حوالي 2.5 بالمائة. والجدير بالذكر أن بعض الجامعات تقدم حوافز مالية للباحثين عند نشر أبحاثهم في مجلات مصنفة، حيث يتلقى الباحثون مكافآت تتراوح بين 3000 و5000 دولار عن كل مقال يتم نشره، وبالخصوص إذا كانت هذه المجلة تتمتع بمعامل تأثير عال. في الصين تقدم بعض الجامعات مكافآت تصل إلى 20,000 دولار عن كل مقال منشور في مجلتي” نيتشر” و”ساينس”. هذه الحوافز المالية ليست متاحة في الجامعات المغربية في الوقت الراهن، مما يشكل تحديًا أمام الباحثين للمنافسة في الساحة الدولية. أيضا يؤثر النقص في الحوافز والتمويل على قدرة الجامعات المغربية على جذب الكفاءات البحثية المتميزة واستقطاب الباحثين الدوليين. في المقابل، تقدم بعض الجامعات في الإمارات العربية المتحدة رواتب وحوافز مالية مهمة لاستقطاب الأكاديميين المتميزين، حيث تتجاوز رواتب الأساتذة في بعض الجامعات الإماراتية 150,000 دولار سنويًا، مع توفير سكن ومزايا إضافية كتمويل البحث والتكفل بمصاريف تدريس الأبناء.
في الختام، لا ينبغي اعتبار تصنيف جامعة مغربية واحدة فقط ضمن أفضل 1000 جامعة في العالم فشلا لمنظومة التعليم ببلادنا، بل يجب أن يُنظر إليه كحافز لإعادة التفكير في السياسات التعليمية والبحثية في المغرب والعمل على تطويرها. إن تعزيز مكانة الجامعات المغربية في التصنيفات العالمية يتطلب استراتيجيات شاملة تركز على الاستثمار في البحث العلمي، ومضاعفة الجهود لتعليم اللغة الإنجليزية والتدريس بها في الجامعات، وتحسين جودة التعليم، بالإضافة إلى تعزيز التعاون والشراكة الدوليين، واستقطاب الباحثين والطلاب الأجانب من الجامعات المصنفة. في اعتقادي المتواضع، يمكن من خلال هذه الخطوات أن نحقق تقدمًا ملموسًا ونضمن حضورًا أكبر وأقوى في المحافل الأكاديمية العالمية.


