“لماذا لم تحصل ثورة علمية في المجتمعات الإسلامية قبل أوروبا؟”، سؤال سبق أن طرح في التاريخ المعاصر والراهن بصيغ متعددة أجاب عنه بناصر البعزاتي، الأستاذ المتخصص في الفلسفة والإبستمولوجيا وتاريخ العلوم، خلال ندوة نظمها مركز مغارب للدراسات في الاجتماع الإنساني، في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط.
وقدّر مؤرخ العلوم أن “العائق الذي حال دون قيام ثورة علمية في المجتمعات الإسلامية يتمثل في مشكلتين أساسيتين، رغم أن هذه الثورة العلمية كانت ممكنة قبل أوروبا ابتداء من منتصف القرن 11م: الأولى هي مشكلة الاتصال والتواصل بين العلماء المسلمين وبين الأجيال من العلماء؛ أما المشكلة الثانية فهي ضعف المؤسسات التي تستطيع أن تضمن هذا التواصل والاستمرارية على غرار الجامعات”.
وذكر البعزاتي أن سؤال “لماذا لم تحصل ثورة علمية في المجتمعات الإسلامية قبل أوروبا؟” سبق طرحه في حضارات أخرى، مثل اليابان والصين، لأنه “مع ظهور العلم الحديث صارت الأحداث العلمية لأول مرة تشكل البوصلة الأساسية في توجّه الحضارات، بعد أن كانت الممارسات العلمية نخبوية ومعزولة عن المجتمع”.
وتابع الأكاديمي ذاته: “ابن الهيثم حاضر في الثورة العلمية التي عرفتها أوروبا، واهتم به العلماء الأوروبيون الذين أخذوا عنه علمه، كما اهتم به التقنيون والفنانون الأوروبيون”، وقدم مثالا بكتاب “المناظر”؛ “المهم في علم البصريات، الذي ظل مرجعا أساسيا في أوروبا إلى غاية القرن السابع عشر”، متسائلا: “ما كان مآله في سياقنا؟”، وأجاب: “لقد لقي هذا المرجع العلمي تجاهلا عندنا (…) ونحن إلى اليوم لا نعرف كيف تجوّل كتاب ‘المناظر’ – بنسخه القليلة جدا- في العالم الإسلامي (…) وقامة علمية بحجم الطوسي لم تشر ولو مرة واحدة إلى ابن الهيثم”.
وركز بناصر البعزاتي على “الإشكالية الكبيرة التي عرفها سياقنا، وتتمثل في غياب الاتصال بين الأجيال من العلماء”، موردا: “إن علاء الدين ابن الشاطر –على سبيل المثال- لم يخلف تلاميذ له يستمرون على نهجه العلمي، والأمر نفسه يتكرر مع ابن تيمية الذي يعد أهم ناقد وناقض للمنطق؛ فرغم تمكنه من إبراز عيوبه السائدة ورغم أهميته العلمية عند الحديث عن المنطق أو نظرية القياس أو الرياضيات إلا أنه لم يأت عالم بعده يكمل ما بدأه من بحث علمي ويستثمره؛ وهذا هو الحال مع كوكبة من العلماء المسلمين التي لم يحقق إنتاجها المعرفي استمرارية وامتدادا”.
وتوقف المحاضر عند مشكلة “ضعف الجامعة”، قائلا: “هل عرفت حضارتنا جامعة؟ على اعتبار أنها–على غرار الجامعات الأوروبية- فضاء للتبادل والنقد. هل كانت في مدارسنا روح نقدية وجدل مفتوح؟”، ثم أردف: “لم يكن تأسيس المدارس النظامية، مثلا، سوى ردة فعل في سياق الجدالات المذهبية والكلامية، كما أن بعضها لم يؤسس سوى لدواع فقهية.”
وذكّر البعزاتي في هذا السياق بـ”مواقف العلماء والفقهاء من ‘العلوم العقلية’، فمنهم من كان يتحفظ من استعمال علم الفلك في رؤية الهلال، وكثير منهم كان يمنع الخوض في الرياضيات على اعتبارها علما غير نافع”، ثم خلص إلى أن “حضارتنا الإسلامية لم تعرف مؤسسات يمكنها أن تدفع بالبحث العلمي، ومع التراجع الذي عرفه علم أصول الفقه الذي ينضاف إليه ضعف انتشار الكتب عرفت الحضارة الإسلامية نكوصا، ازداد مع دخول الاستعمار.”



