منذ صعود فلاديمير بوتين إلى السلطة في روسيا، يظهر جلياً أنه يطمح إلى إعادة إحياء أمجاد روسيا التاريخية، سواء في العهد القيصري أو السوفييتي. هذا الطموح يتجسد في سلسلة من السياسات والتدخلات العسكرية التي نفذها بوتين على مدى العقدين الماضيين.
بوتين يرى نفسه امتدادًا للإمبراطور الروسي بطرس الأكبر، الذي كان له دور كبير في وضع روسيا على خريطة القوى العالمية عبر توسعاته العسكرية وتحديثاته الداخلية. ومن هنا، يمكن فهم محاولات بوتين لاستعادة النفوذ الروسي في المناطق التي كانت تحت سيطرة الإمبراطورية الروسية أو السوفييتية، بما في ذلك القوقاز، أوكرانيا، وحتى مناطق أخرى مثل سوريا وليبيا.
التاريخ الروسي مليء بالصراعات مع الدولة العثمانية، والتي شهدت عدة حروب قاسية كان لها تأثير كبير على تراجع النفوذ العثماني في أوروبا. بوتين يستلهم من هذه الحقبة، ويبدو أنه يسعى لإعادة إحياء النفوذ الروسي في تلك المناطق، حيث تدخل في أوكرانيا واحتل شبه جزيرة القرم، كما يسعى للسيطرة على مناطق أخرى في شرق أوروبا، ما يشكل تهديدًا للدول المجاورة مثل بولندا ودول البلطيق وفنلندا.
تُعد الحرب الروسية العثمانية في القرن الثامن عشر من أبرز اللحظات التي كرست التفوق الروسي على الدولة العثمانية، وقد مثلت هذه الحرب بداية تراجع القوة العثمانية أمام الطموحات التوسعية الروسية. واليوم، يظهر بوتين وكأنه يحاول إعادة كتابة هذا التاريخ، مستخدمًا القوة العسكرية والدبلوماسية لتحقيق أهدافه الجيوسياسية، التي لا تقتصر فقط على أوكرانيا بل تشمل مناطق واسعة من أوروبا والشرق الأوسط.
في النهاية، استراتيجية بوتين لا تشكل تهديدًا لأوكرانيا وحدها، بل هي جزء من مشروع أكبر لاستعادة النفوذ الروسي على مستوى عالمي، مستفيدًا من الضعف الذي تعانيه الدول المجاورة والتراجع في نفوذ القوى الغربية.


