…الدرون تغير وجه الحرب

0
73

منذ الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022، تحولت الحرب إلى مختبر عسكري مفتوح. وللمرة الأولى في نزاع بهذا الحجم، أصبحت الطائرات المسيّرة حاضرة بشكل مكثف وتؤدي دوراً محورياً في العمليات العسكرية.

الاستطلاع، الضربات الدقيقة، توجيه المدفعية، الدعم اللوجستي والحرب الإلكترونية… كلها مهام باتت تعتمد بشكل كبير على هذه المسيّرات التي أصبحت أداة أساسية لدى الطرفين.

طائرات FPV… سلاح فعّال ومنخفض التكلفة

طائرات FPV (الرؤية من منظور الشخص الأول)، التي صُممت في الأصل لسباقات الهواة، جرى تحويلها إلى طائرات انتحارية تحمل متفجرات. ويتم التحكم فيها عن بُعد عبر نظارات فيديو تتيح للمشغّل توجيهها بدقة عالية نحو الهدف.

أبرز ما يميزها هو تكلفتها المنخفضة، إذ قد لا يتجاوز سعر بعضها 500 يورو، في حين يمكنها تدمير آليات مدرعة تبلغ قيمتها ملايين الدولارات. هذه المعادلة غيّرت موازين المعركة، ومنحت وحدات المشاة قدرة هجومية كانت في السابق حكراً على سلاح الجو أو المدفعية الثقيلة.

في المقابل، تُستخدم المسيّرات بعيدة المدى لاستهداف منشآت استراتيجية على مسافات تصل إلى مئات الكيلومترات. وتعتمد روسيا بشكل متكرر على طائرات من طراز « غيران » في هجمات واسعة النطاق، ما يضع الدفاعات الجوية الأوكرانية تحت ضغط متواصل.

معركة الاتصالات

في حرب المسيّرات، تمثل الاتصالات عاملاً حاسماً. فالمسيّرات الأولى كانت تعتمد على موجات الراديو، ما جعلها عرضة للتشويش الإلكتروني. ولمواجهة ذلك، جرى استخدام مسيّرات مرتبطة بكابلات ألياف بصرية، وهو ما يجعل التشويش عليها شبه مستحيل.

غير أن هذا الحل له سلبياته، من بينها الوزن الإضافي، محدودية المدى، وصعوبات ميدانية مرتبطة بانتشار الكابلات.

كما تم اللجوء إلى شبكة “ستارلينك” للاتصال عبر الأقمار الصناعية لضمان اتصال مستقر، قبل أن تفرض قيود على استخدامها.

إلى جانب ذلك، يجري إدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحسين دقة الاستهداف، خاصة في حال فقدان الاتصال قبل لحظة الإصابة. ومع ذلك، يؤكد الخبراء أن هذه الأنظمة لا تزال تعتمد على العنصر البشري.

جبهة مكشوفة ومواجهات محدودة

مع انتشار مسيّرات الاستطلاع على مدار الساعة، أصبح ميدان المعركة مكشوفاً بشكل غير مسبوق. وأي تحرك جماعي للجنود أو الآليات المدرعة يمكن رصده بسرعة، ما يجعل العمليات الواسعة النطاق محفوفة بالمخاطر.

هذا الوضع أدى إلى حالة من الجمود التكتيكي. ورغم المكاسب الميدانية التي حققتها روسيا خلال عام 2025، فإن النزاع ما زال يتسم بحرب استنزاف صناعية، تلعب فيها القدرة على إنتاج المسيّرات دوراً حاسماً.

المسيّرات الاعتراضية… أولوية جديدة

مع تزايد الهجمات، تبين أن استخدام صواريخ باهظة الثمن لإسقاط مسيّرات منخفضة التكلفة ليس خياراً عملياً.

لذلك، بدأت أوكرانيا في تطوير مسيّرات اعتراضية مخصصة لإسقاط مسيّرات أخرى في الجو، ما يسمح بالحفاظ على أنظمة الدفاع الجوي المتطورة لمواجهة تهديدات أكبر مثل الصواريخ الباليستية.

هذا التوجه دفع أيضاً عدداً من الدول الأوروبية وأعضاء حلف الناتو إلى تسريع تطوير حلول مماثلة.

هل هي ثورة دائمة؟

رغم الدروس الكثيرة التي تقدمها الحرب في أوكرانيا، يؤكد الخبراء أن لكل نزاع خصوصياته. فطول الجبهة الأوكرانية، التي تتجاوز ألف كيلومتر، يجعل هذا الصراع حالة فريدة.

ومع ذلك، يبقى مؤكداً أن الطائرات المسيّرة أعادت رسم ملامح الحروب الحديثة، وستواصل التأثير في الاستراتيجيات العسكرية مستقبلاً.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا