مفهوم الأمة بين الشرطي الإسرائيلي وأبي عبيدة
صديق مسلم بريطاني، عند وصوله إلى مطار تل أبيب، خضع للتحقيق المعتاد الذي يتعرض له المسلمون الأوروبيون عند قدومهم إلى القدس. خلال التفتيش، اكتشف الشرطي الإسرائيلي مواد متعلقة بقضايا المسلمين في هاتفه، مما أثار توجسه، قائلاً له: « أنت تستمع إلى فلان؟ أنت مع فكر الأمة الواحدة؟ ». في المقابل، أبو عبيدة، الناطق باسم كتائب عز الدين القسام، كان يبدأ بياناته في عملية طوفان الأقصى بـ »يا أبناء أمتنا العربية والإسلامية ». هذه المفارقة بين توجس الشرطي الإسرائيلي وترحيب أبو عبيدة بفكرة الأمة تكشف عن اختلاف جذري في النظرة إلى هذا المفهوم.
الحروب الثقافية وتشكيل الهوية
في كتابها « من الذي دفع للزمَّار؟ الحرب الباردة الثقافية »، تتبعت فرانسيس سوندرز الجهود التي قادتها المخابرات الأميركية لمواجهة الثقافة الشيوعية في الدول المتأثرة بها. اعتبرت الولايات المتحدة هذه الجهود جزءًا من الأمن القومي وأسندت هذا الملف الثقافي إلى جهاز المخابرات الأميركية (CIA). تم إنفاق ملايين الدولارات وتجنيد آلاف الكُتاب والفنانين والأكاديميين لتبني سردية عالمية جديدة مناهضة للشيوعية. بلغت سيطرة المخابرات الأميركية على الحياة الثقافية درجة مخيفة، حيث أوجدت أجواء مشابهة لأجواء الثورة الفرنسية، لكن في حالة الولايات المتحدة، كان المشتبه في شيوعيته يواجه تدمير حياته ومستقبله.
بعد الحرب الباردة: الهيمنة الثقافية الجديدة
بعد انتهاء الحرب الباردة بانتصار الولايات المتحدة على الاتحاد السوفياتي، تراكمت خبرات المخابرات الأميركية في إدارة الملفات الثقافية لتغيير هويات الأمم ضمن سياق الشعارات الأميركية مثل: الأمن القومي، العولمة، القطب الأوحد، والعالم الجديد. استغلت أميركا هذه الخبرات لإخضاع بقية العالم لهيمنتها ذات التوجه الغربي الليبرالي.
صاموئيل هنتنغتون وصدام الحضارات
في عام 1996، أصدر صاموئيل هنتنغتون كتابه « صدام الحضارات » الذي جعل عنوانه الفرعي « إعادة تصنيع النظام العالمي ». رأى هنتنغتون أن ثقافة « الأمة المسلمة » هي إحدى أكبر العقبات أمام السيادة الحضارية الأميركية بعد تفكك الشيوعية، معتبراً أن الإسلام في ذاته لا يمكن قبوله في الحضارة الجديدة. لم تكن هذه النظرة مجرد نظرة أكاديمية راديكالية، بل كانت مشروع عمل سوقه هنتنغتون في دوائر القرار الأميركي. دَرَسَ على هنتنغتون عدد من المنظرين السياسيين الأميركيين، من بينهم فرانسيس فوكوياما، الذي عمل في عدة مراكز بحثية متصلة بصناعة السياسات الأميركية.
تأثير السابع من أكتوبر
حادثة السابع من أكتوبر 2023، التي شهدت تصريحات أبو عبيدة وتوجس الشرطي الإسرائيلي، تعكس التوترات الحقيقية حول مفهوم الأمة الإسلامية في السياقين السياسي والثقافي العالميين. تبرز هذه الحادثة أهمية الصراع الثقافي في تشكيل الهوية والأمة، ودور القوى الكبرى في محاولة إعادة صياغة المفاهيم والهويات لتحقيق أهدافها الجيوسياسية.



